الفصل الاول:
تصاعد رنين جرس الباب ملحا. تملمت جوانا في سريرها متذمرة, فقد كانت قد صممت على ان تمضي صبيحة هذ اليوم السبت متكاسلة في فراشها حيث أنعا كانت أول عطلة تأخذها منذ اسابيع. وما لبثت أن تناولت رداءها المنزلي كي تضعه على جسمها , وهي تصرخ قائلة: " ها انا قادمة"
ابتسم ساعي البريد عندما فتحت الباب وهو يقول:"أنا آسف لازعاجك يا آنسة غرانت. ولكن هناك رسالة مسجلة تحتاج إلى امضائك."
اخذت جو منه الرسالة بعد ان وقعت بإمضائها, ابتسم الساعي مرة اخرى وهو يقول:"شكرا . يمكنك ان تعودي الان الى فراشك." نظرت اليه مبتعدا, ثم عادت تنظر الى المغلف السميك في يدها.لابد ان ثمة شيئا هاما في داخله, وفتحته ,لتخرج منه ورقة واحدة قرأتها بسرعة, ثم قطبت حاجبيها. كانتالرسالة من مكتب شركة المحامين يقدم عرضا مغريا لشراء العدد الكبير من الاسهم التي ورثتها عن ابيها.
اعادت قراءة الرسالة للمرة الثانية.لم يكن ثمة اسم الشاري , وانما ,"وصلنا عرض من شخص بأن..."
وهذا كل شيء. هزت جو كتفيها, ثم القت بالرسالة بعيدا لكي ترد عليها في مابعد .ان شخصية الشاري لاتهمها, لان اسهمها من شركة ريدموند للبناء ليست للبيع.
"انت , يافتى!"
القت جو نظرة ساخطة من فوق السقالة.انه احمق آخر قصير النظر يظنها فتى لانها تقف الى ناحية البناء. ولكنها مع هذا, أخذت تتفحص باهتمام ذلك الرجل الذي كان واقفا في الساحة, وبالرغم من بعد المسافة, فقد استطاعت ان ترى أنه طويل القامة يرتدي بذلة من التويد جميلة التفصيل. كان يبدو, على وجه العموم انيقا لا تشوبه شائبة.
ردت عليه من اعلى "ماذا تريد؟"
رفع يده يقي عينيه من اشعه الشمس وهو يصرخ مجيبا:"اريد السيد جو غرانت.هل هو عندك هناك؟"
ردت عليه قائلة:"ها انا نازلة اليك." وهبطت الدرجات مسرعة لتستدير الى حيث واجهت الرجل الغريب ذاك. وكانت على صواب بالنسبة الى طوله, اذ وجدته يفوقها طولا بحيث انها وهي التي يقارب طولها المئة وسبعين سنتمترا وجدت نفسها ترفع راسها لتنظر الى وجه لوحته الشمس لرجل تستدعي شخصيته الاهتمام, ذي عينين زرقاوين تتالقان بالحيوية وتتناقضان مع شعر اسود مجعد لم يكن يبدو عليه القابلية للخضوع لاية قصه او تسريحة مهما بلغت مهارة الحلاق. واخذت عيناه الزرقاوان تحدقان فيها بحيرة وكانه شعر بان ثمة خطأ في مفهومه نحوها, لايدري ماهو بالضبط. اهتز اعتدادها وثقتها بنفسها ازاء السرعة المفاجئة لضربات قلبها عندما وقع نظرها على هذا الغريب الملوح البشرة, لتشعر بوجنتيها تلتهبان بينما فغرت فاها صامتة تنظر اليه. واخيرا جاء صوتها الذي كان حادا لدرجة صعقت لها وهي تقول :"حسنا؟".
بد على جبينه تقطيبة بسيطة, وقال برقه نفذت الى اعماق نفسها :"اسمي تاكيراي,واريد ان ارى جو غرانت لقد اخبرتني فتاة في المكتب انه يعمل هنا."
وضعت جو يديها في جيبي سروالها بحركة صبيانية دون وعي منها, ثم مشت مبتعده عنه وهي تناديه من فوق كتفها قائلة:"يمكنك ان تتفضل الى هذا المكتب ياسيد تاكيراي."
اجاب متباطئا في اللحاق بها:"لقد سبق وذهبت الى ذلك المكتب ولكنه لم يكن هناك." قالت جو وهي تفتح باب المكتب ثم تنتظره:"لابأس, سيكون هنا" ثم دخلت المكتب بينما هز كتفيه وتبعها. خلعت قبعتها الخشنة وقد دخلها سرور الظفر وهي تسمع هتاف الدهشه من ذلك الرجل لدى رؤيته لشعرها الكث الكستنائي الفاتح وهو يتناثر حول وجهها, ثم استدارت تواجهه قائلة:"انني جو اغرانت,ياسيد تاكيراي, والانمالذي تريده بالضبط؟"
بدت في عينيه ابتسامة دافئة وهو يعترف بغلطته قائلا:" ثمة امور كثيرة في فكري. ربما تتقبلين اعتذراي المتواضع؟"
اجابت:"ربما" ولكنها كانت تشعر, وهي تحاول ان تغطي تصاعد نبضها, ازاء ابتسامته باظهار التهذيب الهادئ
سالها:"هل يحصل ,عادة. مثل هذا الخطأ؟"
اجابت:"كثيرا جدا. ليس ثمة سبب لكي تظن في نفسك الغباء."
قال"اوه انني لا أشعر بذلك .حتى اجمل امرأة قد تبدوكالرجال إن هي ارتدت مثل هذه القبعه والجاكيت."
لم يفتها تهكمه المبطن وهو يلمح الى انها.مادامت غير جميلة جدا, فمن المنطقي ان يخطئ هو بهذا الشكل.
قالت له:"ربما من الافضل ان تدخل في الموضوع , ياسيد تاكيراي."
سألها:"اي موضوع يا آنسة غرانت؟"
أجابت:"لقد كنت تبحث عني, وها انك وجدتني الان."
تلاشت الابتسامة عن وجهه واتخذت ملامحه سمة الجد وهو يقول:"آه, تعنين ذلك الموضوع. حسنا, الموضوع ياانسة جو غرانت, انني جئت لادعو صاحب هذا الاسم الى الغذاء . ماقولك؟"
وقطبت جو جبينها بدهشة وهي تقول:"الغذاء؟ ولماذا تريد دعوتي الى الغذاء؟"
نظر اليها وقد ازداد التصميم في عينيه وسالها:" وهل تدهشك مثل هذه الدعوه؟" كان ثمة هالة من الجاذبية تحيط به. وادركت هي بشيء من الاثارة. انه يعبث معها.
أجابت"انها تدهشني طبعا لانك لاتعرفني."
قال:"هذا صحيح . وانني اعترف ان جو غرانت الذي ابحث عنه هو رجل ملتح ضخم الجسم, في الخمسين من عمره. ولكنني سعيد جدا بان تكوني ممثلة له."
فجأة جلست جو وهي تقول :"انني لست ممثلة له , بل انا اقرب الناس اليه.ذلك ان ابي قد توفي."
بانت في صوته صدمة وهو يقول:"هل توفي جو ؟ ولكنه لم يكن كبير في السن."
وبدا عليه الاسى بشكل واضح وهو ينظر من النافذه لبرهه. ثم مالبث ان نظر اليها وكانه رآها لتوه ثم سألها:"هل انت ابنة جو؟صاحبة تلك الصورة الموضوعه على مكتبه؟ ولكنك كنت تضعين نظارة طبية؟"
تذكرت جو تلك الصورة المفزعه التي تحيط بها اطار قديم, والتي كانت مدفونة تقريبا في الفوضى التي كان غارقا فيها مكتب ابيها, وقالت:"نعم لقد كنت اضع نظارة مسكين ابي. لقد كنت ,عادة, اتجنب ان تؤخذ لي اية صور فوتوغرافية.ولكن لك يكن ثمة مهرب من ان تؤخذ لي صورة في المدرسة, واضطرت امي الى شرائها . ولكنها, مراعاة لشعوري, لم تضعها بقرب صورة شقيقتي."
قال:"احقا؟ولماذا كان ذلك؟"
هزت كتفيها قائلة:" ان لشقيقتي هيثر شعرا اجعد واسنانا منتظمة جميلة وعينين سليمتي النظر. ولكن ابي اشفق علي ووضع صورتي على مكتبه."
نظر اليها متفحصا بعينين تنطقان بالثقه بالنفس ثم سألها:" انني متاكد من انك تسلمين هذه الايام, لاختك صلاحية استخدام اموالها, يا انسة غرانت"
ابتسمت بهدوء وهي تقول:" اخشى ان لايكون الامر كذلك ياسيد تاكيراي, ذلك ان هيثر مازالت تمثل الجمال في الاسرة, بينما علي انا ان اتعامل مع العقل."
قال:" مسكينة انت."
تصلب جسدها وهي تقول على الفور:" انني لا اريد الشفقة من احد, ياسيد تاكيراي." ومالبثت ان تضرج وجهها غضبا اذا انتبهت الى تسرعها الغبي وهي ترى الضحك في عينيه.
ان هذا الرجل يتدخل في حياتها, محطما الحواجز التي تقيمها حولها كثمن لقبولها في عالم الرجال.
قال:" انك في حاجة الى تقوية تقديرك لنفسك وارجو ان لايسيئك قولي هذا. ولكنني اوفق معك انك لست في حاجة الى شفقه مني او من غيري." وقبل ان تجيبه ,كان هو قد غير الموضوع قائلا:" لقد قال جو, عند ذاك, انك ستتابعين عمله, وقد ظننته, في ذلك الحين , يمزح."
قالت:" هذا صحيح, ياسيد تاكيراي,وعندما ادرك غلطته, كان الاوان قد فات لكي يفعل اي شيء بذلك الشأن."
سألها:" وهل حاول ذلك؟"
اجابت وهي تتذكر الزهوالذي ساد ملامح ابيها, يوم تخرجت من الجامعه:" لم يحاول بشكل كاف."
بان عليه التفكير وهو يقول:"فهمت"
كانت تظن انه بعد ان اكتشف ان مهمته كانت فاشلة, لابد سيستأذن خارجا, ولكنه بدلا من ذلك,قال:" انني شديد الاسف لما سمعته عن موت جو, يا انسة غرانت , مالذي حدث؟" وكان يبدو على وجهه الاهتمام البالغ مما جدد الامها وبعث غصة في حلقها. واخذت تحدق في البرنامج الموضوع على مكتبها الى ان استطاعت ان تتمالك دموعها فلا تنهمر.
عادت جو من ذكرياتها لتنظر اليه قائلة:"لقد كان في سيارته عندما اصابته ذبح قلبية قبل ثلاث سنوات.."
قال:" انني اسف. انني لم اعلم بذلك اذ كنت في الخارج اعمل في كندا, وعندما ابتدأت اجدد العهد بمعارفي القدماء اتصلت هاتفيا بمكتب ريدموند, سائلا عن ابيك, فاجابوني.."
قاطعته قائلة:"لاباس. انها غلطة بسيطة وهي تحدث دوما. لقد تعودت على ذلك." ومدت اليه يدها مصافحة بابتسامة شابها اسى خفيف:" جوانا غرانت."
كانت قبضته دافئة قوية .قبضة رجل جدير بالثقه قدم نفسه قائلا:"كلايتون تاكيراي."
قالت : "حسنا انني اسفه اذا جاءت رحلتك الينا خائبة, ياسيد تاكيراي."
وقال وقد بان العزم في عينيه:" انها لم تكن خائبة." نظر في عينيها, فأسرعت تشيح بناظريها عنه بعيدا, وهي تقول: "ليس في إمكاني ان اكون بديلا كاملا من ابي."قال:" لقد كنت احب اباك واعجب به , ياجوانا. ولكنني اظن ان الغذاء معك سيكون ممتعا. خصوصا, ان استغنيت عن حمالات السروال."
قالت معترضة:"ليس عليك ان تدعوني, فلا تكن احمق لاينبغي علي..."
سألها:لم لا؟"
اجابت:" لان....." وسكتت اذا لم يكن هناك اي سبب في الحقيقة, عدا عن انها تبالغ في سبيل الاحتفاظ بسكنتها النفسة.
ابتسم وكأن في استطاعته ان ينهي المعركة التي تدور في اعماقها, وقال:"ارغمي نفسك على ذلك, ياجوانا."
قالت وهو مازال ممسكا يدها بيده الكبيرة:"انني اشكرك"وهكذا وجدت نفسها تقبل الدعوة دون ان تفهم تماما السبب في ذلك, غير مدركة انه رجل لايقبل كلمة , لا جوابا.
قال:"ان هذا من دواعي سروري, وقد حجزت مائدة في مطعم جورج في طريقي الى هنا. فقد كنت مصمما على دعوة ابيك."
قالت مازحة وهي تميل براسها جانبا:"حقا؟من الافضل اذا ان اغير حذاء العمل هذا. ولكن ليس عليك ان تكلف نفسك, ياسيد تاكيراي, فما انا الامهندسة هنا, وعادة انتاول سندويشا وقت الغذاء."
اشرق وجهه ضاحكا لتتغضن زوايا عينيه وفمه, وهو يقول: انني لست باحثا عن عمل, ياجوانا,كما ان اصدقائي يدعونني كلاي.سأنتظرك في السيارة بينما تقومين باصلاح شأنك كما تريدين."
خلعت حذاء العمل من قدميها لتضع بدلا منه حذاء ذاكعب عال. ومررت على سروالها الرمادي الفرشاة وهي تتمنى لو ان لديها تنورة في المكتب لترتديها, بدلا منه. لقد فضلت, عند شراء تنورتها الصوفية الناعمة العاجية اللون ,ان تضمن فيها الراحة اكثر من الزي الذي ترتديه. ولكن كنزتها كانت جميلة على الاقل, يمتزج فيها اللونان الوردي والابيض والتي كانت هدية من اختها الكبرى هيثر التي كانت تدير متجر اللازياء, والتي كانت تحرص على اضافة لمسات انثوية الى خزانة اختها جو التي لم تكن تحوي سوى ثياب العمل الخشنة. وازاحت جانبا التقويم السنوي الذي يغطي المرآة التي كانت قد اتخلت عنها في عالم الرجال هذا الذي تعيش فيه, ثم القت على نفسها نظرة معترضة.
قالت تحدث نفسها بحزم وهي تهز كتفيها:"لاتخدعي نفسك ياجو,فهو لم يدعك الى الغذاء الا لانه يعرف اباك, فلاتدعي الافكار الحمقاء تراودك." ومطت شفتيها ساخرة من نفسها, لكن, لابد ان هيثر كانت ستشعر بالسرور وهي ترى اختها تطيل وقوفها امام المرآة تصلح من شعرها وزينتها.
فتح لها كلاي باب السيارة حيث اطمأن الى راحتها قبل ان يتخذ مقعد القيادة. ولاحظت هي الاعين التي تراقبها باهتمام من مختلف الانحاء, وعرفت انها ستكون عرضة للالسن لايام عديدة بعد ذلك, من قبل زملائها الرجال الذين يعملون على السقالات اذا يمدون لها ايديهم يساعدونها بأدب مبالغ فيه.
قال:" الامر نفسه كان سيحدث من قبل زملاء العمل لو كنت انت رجلا اصطحبتك فتاة, وربما اسوأ."
ضحكت هي قائلة:"هل تحصل معيشتك من وراء قراءة الافكار؟"
اجاب"كلا, ولكني كنت مهندس بناء انا ايضا."
قالت وهي ترمقه بنظرة جانبية من تحت اهدابها الكثيفة:"احقا؟ ليس عندي شك في ان ثمة فتيات كثرات كن يلاحقنك."